أحمد زويل في المصرى اليوم

by zoss in excerpts

المصرى اليوم تنفرد بنشر رؤية جديدة للدكتور أحمد زويل «من العلم إلي العالم» في خمسة أجزاء

تقع الورقة التي تنشرها «دار الشروق» نهاية العام وتحمل الرقم (١) في سلسلة محاضرات أحمد زويل في (٢٦) صفحة من القطع المتوسط، عنوان الورقة «حوار الحضارات.. صناعة التاريخ برؤية عالمية جديدة»، وقد ترجم النص من الإنجليزية إلي العربية الدكتور مصطفي محمود سليمان أستاذ الجيولوجيا والمترجم العلمي المعروف

Here are the links to the five parts as published. I also reproduce the whole text under the fold, cause who knows how long these links are going to survive.

صدام الحضارات ونهاية التاريخ.. نظريتان خارج نطاق العلم

الحرب المقدسة.. ومفهوم الجهاد في الإسلام

نقد العولمة.. انكماش الأمل

مشروع مارشال في فلسطين

هل ثمة وظيفة حضارية للولايات المتحدة الأمريكية؟

(jump to part 1, part 2, part 3, part 4, part 5)

Part 1/5

المصرى اليوم تنفرد بنشر رؤية جديدة للدكتور أحمد زويل «من العلم إلي العالم» صدام الحضارات ونهاية التاريخ.. نظريتان خارج نطاق العلم

كتب قراءة: أحمد المسلماني

كأن العالم قد أصيب بنوبة إغماء.. لا حياة ولا موت، لا هي شهوة الأمل ولا هي راحة اليأس.. وكأن الناس قد أعجبتهم تلك المتعة الكامنة في نصف الوعي، فلا رغبة حاسمة في أي شيء. علم يجاور الجهل، ولين يوازي التطرف.. قنابل تسكن أغصان الزيتون وصواريخ تحمل اسم الله في كل مكان!
هنا تجيء الوقفة.. ما الذي يجري في العالم؟ حوار أم صدام؟ حرب أم سلام؟ أين الدين وأين الدنيا؟ وأين المستقبل بين حشود الغافلين؟

وهنا تجيء هذه الورقة الضافية للعالم الكبير الدكتور أحمد زويل، لتنبه الناس وتزيل الالتباس، وتضع أسساً لحوار يقوض حالة الارتباك والاشتباك.
تقع الورقة التي تنشرها «دار الشروق» نهاية العام وتحمل الرقم (١) في سلسلة محاضرات أحمد زويل في (٢٦) صفحة من القطع المتوسط، عنوان الورقة «حوار الحضارات.. صناعة التاريخ برؤية عالمية جديدة»، وقد ترجم النص من الإنجليزية إلي العربية الدكتور مصطفي محمود سليمان أستاذ الجيولوجيا والمترجم العلمي المعروف.

يناقش الدكتور زويل في ورقته «حوار الحضارات» الأطروحات الفكرية الرئيسية في الغرب من «صدام الحضارات» إلي «نهاية التاريخ» إلي مقولات «العولمة».. يقول الدكتور زويل: «إن هذه الورقة تعني بالأبعاد الواقعة خارج نطاق العلم، وبالتحديد مسألة تواجدنا كبشر في حضارات وثقافات متباينة، قد تجد أو لا تجد نفسها في حالة من التناقض والصدام»، ويشير د.زويل إلي مؤتمر اليونسكو في باريس عام ٢٠٠٢، الذي انعقد تحت عنوان «العلم والمتطلبات الروحية»، مركزاً علي البعد الروحاني، وهو مجال يقع خارج نطاق العلم واهتماماته.

يقول الدكتور زويل: «إني أري في هذه المسائل قضايا معقدة، إلا أنها التعقيدية التي تستلزم طريقة منطقية جديدة ومنفتحة، في بحثنا عن التفاهم الإنساني وبحثنا عن الحقيقة، وتشكل خبرتي حتي الآن بثلاث ثقافات علي الأقل وهي المصرية والعربية الإسلامية ثم الأمريكية، هادياً ومرشداً لأفكاري واهتماماتي».

ثم يدلف د.زويل إلي نظرية «صدام الحضارات» التي قال بها العالم السياسي الأمريكي صمويل هينتجتون ونظرية «نهاية التاريخ» التي قال بها المؤرخ الأمريكي فرانسيس فوكوياما.. ثم يقول: «لقد ناقش كل من المؤلفين فكرته بإيمان راسخ، برغم أن هذه الأفكار مثيرة للجدل والخلاف، وكعالم فإني لم أجد أساساً فيزيائياً أو فلسفة طبيعية أساسية لتلك المفاهيم، وبتعبير آخر ليس هناك مبدأ أو قانون أساسي في الحضارات يجعلها في حالة صدام مع بعضها البعض كما لا يوجد قانون أساسي يحتم نهاية التاريخ بنظام واحد علي حساب جميع الأيديولوجيات».

ثم يذهب د.زويل إلي ذكر الأساس الثقافي والاقتصادي والسياسي الذي أدي إلي الخلل في النظام العالمي المعاصر، ذلك أن الجهل النسبي بالحضارات أو التذكر الانتقائي للماضي والافتقار إلي رؤية الأشياء وفقاً لعلاقاتها الصحيحة، كما أن البؤس الاقتصادي والظلم السياسي اللذين يعاني منهما «عالم الذين لا يملكون»، والذين يشكلون نحو ٨٠% من سكان العالم في كل القارات ومختلف الثقافات، إنما تشكل جميعها حواجز تحول دون الوصول إلي حالة متقدمة من النظام العالمي، وإذا ما تخطينا تلك الحواجز، فإننا سوف نصل إلي وضع أفضل في حوار الحضارات.

* الحضارة
لفظ «الحضارة» يعني في التعريف القاموسي حالة متقدمة لمجتمع إنساني ترتقي فيه الثقافة والعلم والصناعة وأسلوب الإدارة والحكم، وعلي المستوي الفردي نكون متحضرين حينما نبلغ وضعاً أو حالة متقدمة نتمكن فيها من الاتصال بالآخرين من ذوي العادات والثقافات والديانات المختلفة وأن نحترمهم.

ينطلق د.زويل بعد توصيف معني «الحضارة» إلي أن صدام الحضارات ليس حتمياً، وأن التاريخ يحدثنا عن العديد من الحضارات التي تزامنت في الوجود بدون أن تقع بينها صدامات ذات شأن خطير.

* أطروحة هينتجتون
يذهب صمويل هينتجتون في أطروحته حول «صدام الحضارات» إلي أنه في فترة ما بعد الحرب الباردة، لم تعد الاختلافات الجوهرية بين البشر اختلافات أيديولوجية أو سياسية أو اقتصادية، وإنما هي اختلافات وفوارق ثقافية، فقد بات الناس يعرفون أنفسهم بلغة الأنساب والدين واللغة والتاريخ والأعراف والنظم الاجتماعية، وقسم هينتجتون العالم إلي حضارات كبري هي: الغربية، الأرثوذكسية، الصينية، اليابانية، الإسلامية، الهندوسية، اللاتينية، الأمريكية، الأفريقية.

* نقد أطروحة هينتجتون
يقول د.زويل في ورقته «حوار الحضارات»: «إنني أجد العديد من الصعوبات في تحليل هينتجتون»، ثم يطرح ثلاثة تساؤلات أساسية يقول إنها تشكل موقفه من هذه القضية، التساؤل الأول: ما هو الأساس الذي بني عليه هينتجتون تقسيم هذه الحضارات؟ والتساؤل الثاني: هل من الضروري أن تنشأ التصادمات بسبب الفوارق الثقافية؟ والتساؤل الثالث: ماذا عن ديناميكيات الثقافات أو حركيتها؟.

* السؤال الأول
في شأن تقسيم «هينتجتون» للحضارات يقول د.زويل: «لقد تمرس الناس المنتمون لحضارات مختلفة علي ثقافات متباينة، ولايزالون كذلك، وقد تتأثر الأمم في القارة نفسها بحضارات مختلفة.

وفي حالة من الميلاد حتي وقتنا الحاضر، فإنه بإمكاني أن أعرف نفسي كمصري وعربي ومسلم وأفريقي وآسيوي وشرق أوسطي ومتوسطي، ثم أمريكي، فإذا مانظرنا عن قرب إلي واحدة فقط من تلك الحضارات، فإني ألاحظ أن المصريين ينتمون إلي حضارة فعالة، أي متميزة بفاعلية مستمرة أو تغير مستمر، ذات تراث حضاري متعدد الثقافات: فرعونية وقبطية وعربية وإسلامية، بالإضافة إلي تأثير الفارسية والهلينستية والرومانية ثم العثمانية، وينطبق هذا القول علي الحضارة الأوروبية والحضارة الأمريكية وأخري في مختلف القارات، والثقافات الغربية في أوروبا وأمريكا واستراليا، ثقافات بعيدة عن التماثل والتجانس، فإذا ما أخذنا في الاعتبار عدد الثقافات في أوروبا والولايات المتحدة لوجب علينا أن نتوقع حدوث صدام حضارات في داخل الحضارة الواحدة، بدون النظر إلي الحضارات السبع الأخري التي ذكرها صمويل هينتجتون، وفي حقيقة الأمر فإن القوي التي تربط الثقافات والحضارات ليست ناتجة عن مثل هذه التقسيمات البسيطة».

* السؤال الثاني
يقول صمويل هينتجتون: إذا ما فقدت الولايات المتحدة الأمريكية تراثها الأوروبي (اللغة الإنجليزية والدين المسيحي والمذهب البروتستانتي) وعقيدتها السياسية (ممثلة في الحرية والمساواة) تعرض مستقبلها للخطر. يسأل د.زويل: هل من الضروري أن تنشأ التصادمات بسبب الفوارق الثقافية؟ ويجيب: «من وجهة نظري الشخصية فأنا لم أكن أتحدث الإنجليزية حينما جئت إلي الولايات المتحدة، ولست مسيحياً، ولم أدرس المذهب البروتستانتي، ومع ذلك فقد دمجت نفسي في ثقافة مجتمعي الأمريكي الجديد مع احتفاظي بثقافتي أو بالأحري ثقافاتي الأصلية، وأعتقد أن ثقافتي الشرقية والغربية قد استفادتا من ذلك التزاوج الثقافي دون أن يقع بينهما صدام.

ومن منظور أكثر رحابة فإن قوة أمريكا تكمن تقليدياً في كونها «البلد البوتقة» التي ينصهر فيها المهاجرون علي اختلاف أعراقهم وثقافاتهم في مواطنية واحدة، وقد أثريت الأمة الأمريكية، ولا تزال، بتعدد الأعراق وتنوع الثقافات لمواطنيها، ونتيجة لذلك كان التسامح بين أتباع الديانات والثقافات المختلفة جزءاً من نسيج الحضارة الأمريكية، فإذا ما تهيأ للناس العيش في نظام دستوري سليم تسود فيه الحرية والمساواة، لم تعد الصدامات بين المواطنين شيئاً أساسياً، وإن ظلت مشكلات أخري قائمة».

* نقد الاستعمار
يخشي د.زويل من أن تكون نظرية صدام الحضارات بداية مشروع إمبريالي جديد، حيث تذهب الحضارات الأقوي لاستعمار الحضارات الأصغر، طارحاً فكرة التكامل الحضاري بديلاً عن الصدام، وواجه في التاريخ والسياسة ما لا يناقض فكرة التكامل.

يقول د.زويل: «في نطاق العلاقات الدولية.. لا يتضح لي سبب تحصيل الحضارات قوتها من خلال «الاستعمار» علي حساب الآخرين، ويمكن للثقافات والحضارات أن تكون في قمة ازدهارها، وفي نفس الوقت تتعايش في تآلف وتوافق مع غيرها، وحتي يمكن أن تتمم تلك الحضارات بعضها بعضاً، وتعد الولايات المتحدة واليابان وأوروبا أمثلة لذلك التعايش النافع القائم علي جسور اقتصادية وثقافية، ومفتاح الوصول إلي هذه الحالة لدولة ما هو أن تكون جزءاً من نظام عالمي متعاون يحافظ علي الحرية الإنسانية والعدل وأن تنفذ قراراتها وأعمالها وفق خطة زمنية محددة، وقد يصعب الوصول إلي ذلك والتسليم به إلا أنني أعتقد أنه بإمكان قيادة واعية ذات رؤية عالمية أن تجعله في حيز التنفيذ».

* السؤال الثالث
يناقش د.زويل في هذا الجزء من الورقة فكرة ديناميكيات الثقافة أي حركيتها.. يقول: «الثقافات ليست كيانات ساكنة أو راكدة، إنما تتغير باستمرار مع الزمن، وتنضبط درجة تغيرها بعوامل أو قوي سياسية واقتصادية، ودعنا نأخذ موطني الأصلي بعين الاعتبار، فالحضارة المصرية قد ظهرت منذ فجر التاريخ الإنساني، وسادت العالم آلاف السنين، لكنها أصبحت في وقتنا الحالي دولة نامية، ولا يعني ذلك أن مصر قد فقدت حضارتها، ولكنها مثل غيرها، قد تغيرت مع الزمن بفعل عوامل أو قوي داخلية وخارجية، أو بمعني آخر فإن الحالة المعاصرة لم تنشأ بسبب عيب أو خطأ بشري أو خلل جيني أو ما شابه ذلك، إنما جاء نتيجة للتغيرات غير المواتية للزمن بالنسبة لهذه الحضارة وأبنائها».

* أوروبا
يقدم د.زويل نموذجاً آخر لما يشرح، يقول: «هناك أمثلة أخري معروفة جيداً للتغيرات الثقافية في أوروبا وأجزاء أخري من العالم، غير أن ديناميكيات تلك التغيرات قد تختلف من مكان لآخر، والاختلاف هنا هو اختلاف في المقاييس الزمنية والقوي التي أحدثت هذا التغير، ومع ذلك فإنه لا يمكننا أن نعزي ديناميكيات التغير في جميع الحالات إلي الأحوال الداخلية وحدها لأي من تلك الثقافات، ويجب أن نأخذ في الاعتبار دور التفاعلات السياسية والاقتصادية في داخل الثقافة وبينها وبين الثقافات الأخري المعاصرة لها، وعلي سبيل المثال فثقافة الناس في كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية ثقافة متماثلة، ولكن التباين في الرقي والتقدم بين الكوريتين عظيم، والذي يعزي إلي عوامل اقتصادية وسياسية. وينطبق نفس القول علي ألمانيا بشطريها قبل ان يتحدّا».

* شرق وغرب
يصل د. زويل في تحليله الممتد لنظرية «صدام الحضارات» إلي فكرة تبادل الأدوار الحضارية، يقول: «إن سكان العالم الذين لا يملكون لم يكونوا كذلك طوال تاريخهم، فخلال العصور الوسطي الأوروبية، وهي الفترة التي شهدت قمة ازدهار الحضارة الإسلامية، كان معظم الأوروبيين لا يملكون، أما الآن فإن معظم دول العالم الإسلامي دول نامية وتضم قطاعاً عريضاً من السكان الذين لايملكون. وقد يرجع البعض ذلك إلي عيب أو خلل في قيم ومبادئ الدين الإسلامي وهذا خطأ.

وقد يكون من المفيد بالنسبة لي كمسلم مثقف «برغم أنني لست متخصصاً في العلوم الإسلامية» أن ألقي ضوءاً علي بعض مبادئ الإسلام وحضارته الديناميكية، والتي يساء فهمها، وهذا من المناسب أيضاً لاسيما أحداث الحادي عشر من سبتمبر المأساوية في نيويورك وواشنطن وآثارها مرتبطة في عقول كثير من الناس بالإسلام

Part 2/5 (jump to part 1, part 2, part 3, part 4, part 5)

(المصرى اليوم) تنفرد بنشر رؤية جديدة للدكتور أحمد زويل «من العلم إلي العالم» (٢-٥) الحرب المقدسة.. ومفهوم الجهاد في الإسلام
كتب قراءة: أحمد المسلماني

كأن العالم قد أصيب بنوبة إغماء.. لا حياة ولا موت، لا هي شهوة الأمل ولا هي راحة اليأس.. وكأن الناس قد أعجبتهم تلك المتعة الكامنة في نصف الوعي، فلا رغبة حاسمة في أي شيء. علم يجاور الجهل، ولين يوازي التطرف.. قنابل تسكن أغصان الزيتون وصواريخ تحمل اسم الله في كل مكان!

هنا تجيء الوقفة.. ما الذي يجري في العالم؟ حوار أم صدام؟ حرب أم سلام؟ أين الدين وأين الدنيا؟ وأين المستقبل بين حشود الغافلين؟

وهنا تجيء هذه الورقة الضافية للعالم الكبير الدكتور أحمد زويل، لتنبه الناس وتزيل الالتباس، وتضع أسساً لحوار يقوض حالة الارتباك والاشتباك.

يشرح زويل في الورقة بسلاسة ودون تعقيدحقيقة الإسلام مقدماً اجابات قاطعة للكثير من الأسئلة الشائكة التي تدور في الأذهان وخاصة في الغرب.

علي الرغم من أن ورقة الدكتور زويل كتبت في الأصل بالإنجليزية لمخاطبة العالم الغربي، فإن عرضها بالعربية يبدو مهماً للغاية، فحتي البديهيات الأساسية بشأن الدين الإسلامي والتي تعرض لها د. زويل كأساس معرفي للحوار، لا تفقد أهميتها حين يجري تقديمها للمسلمين أنفسهم.

يسأل د. زويل ما هو الإسلام ويجيب في سرد رائع وسلس: الإسلام هو دين وطريقة حياة لنحو خُمس سكان العالم، فهناك ٣.١ مليار مسلم في العالم اليوم، ويشكل العرب نحو ٢٠% من تعداد المسلمين في العالم، وهناك ٥% من العرب غير مسلمين وفي عام ١٩٧٠ كان هناك نصف مليون مسلم في الولايات المتحدة الأمريكية،

أما اليوم فيتراوح عددهم من ستة إلي سبعة ملايين، ٢٣% منهم ولدوا في الولايات المتحدة، وكلمة «الإسلام» كلمة عربية تتضمن معاني: السلام والخضوع والتسليم لله رب العالمين ويعتبر الإسلام نفسه متمماً ومكملاً للديانات السماوية السابقة له، اليهودية والمسيحية، فالديانات الثلاث هذه تسمي ديانات التوحيد الإبراهيمية والله سبحانه وتعالي يأمر المسلمين باحترام الناس جميعاً، ويصف اليهود والمسيحيين بأنهم أهل الكتاب.

وهناك مفهومان أساسيان في الإسلام، المفهوم المتعلق بوحدانية الله ثم الإسلام في أسلوب حياة، ويشكل هذان المفهومان جوهر العقيدة الإسلامية، وتشبه مجموعة القواعد والقوانين الإسلامية المتعلقة بالمبادئ الأخلاقية مثيلاتها في المسيحية واليهودية.

.. أركان الإسلام

يقر ويسلم المسلمون بالتزامات رئيسية تسمي بأركان الإسلام الخمسة، وفي التطبيق العملي أو الممارسة تجد المسلمين وقد تقيدوا بهذه الأركان بدرجات متفاوتة، وتضع مسؤولية الوفاء بتلك الالتزامات علي أكتاف كل فرد بذاته، وأركان الإسلام هي: الشهادة «شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله» والصلاة والزكاة وصوم رمضان وحج البيت الحرام - بمكة المكرمة - لمن استطاع مرة واحدة علي الأقل في العمر.
ويقر ويسلم المسلمون أيضاً بالشريعة وهي مجموعة القوانين الإسلامية المستمدة من القرآن والسنة النبوية (أفعال وأقوال وإقرار الرسول - صلي الله عليه وسلم).

.. القرآن الكريم

القرآن الكريم هو الكتاب المقدس في الإسلام، وهو كلام الله أنزله علي النبي من خلال جبريل عليه السلام، وتستخدم كلمة «الله» بواسطة كل العرب، المسلمين والمسيحيين واليهود، وقد أنزل الله تعالي القرآن الكريم علي النبي مجزءاً، متضمناً قضايا وتفصيلات متعددة، خلال ثلاثة وعشرين عاماً، وهي المدة التي قضاها الرسول منذ نزول الوحي حتي انتقاله إلي الرفيق الأعلي، ولأن القرآن الكريم هو كلام الله فقد بقي في لغته الأصلية حرفياً، كلمة فكلمة وحرفاً فحرفاً، وبمجرد أن ينقل القرآن الكريم أو يترجم إلي أي لغة، فإنه عندئذ لا يسمي قرآناً، لأن الكلمات السماوية المباشرة قد حلت محلها كلمات بشرية، وإنما يسمي تفسيراً أو ترجمة لمعاني القرآن الكريم.

ولقد كان لبلاغة القرآن وأسلوبه الأدبي الفريد من القوة حتي شكلت معجزة فذة لا تضاهي بالنسبة للعرب الأولين، ويبدو أسلوب القرآن الكريم مشتركاً في بعض هيئته مع الروح الشعرية، إلا أنه يتحدي الوصف، ولا يعد شعراً ولا نثراً، إنما هو طراز فريد خاص بذاته ويشكل ذلك مشكلة لبعض القراء غير المسلمين الذين يميلون إلي أسلوب الكتاب المقدس في روايته للتواريخ والأحداث مرتبة ترتيباً زمنياً، وهناك قصة واحدة في القرآن الكريم مرتبة ترتيباً زمنياً هي قصة يوسف - عليه السلام.

.. الحياة في الإسلام

يستكمل د. زويل في ورقته التي قصد منها نقد فكرة صدام الحضارات وصراع الأديان، موضحاً ما بات خافياً علي غير المسلمين وبعض المسلمين من جوهر الإسلام، يقول د.زويل في شأن نظام الحياة في الإسلام، لقد حدد القرآن الكريم أسلوباً واضحاً لكي يحيي الإنسان حياة سليمة لا عوج فيها، ولم يترك القرآن الكريم أمراً من أمور الحياة من العلم إلي التكنولوجيا ومن المهد إلي اللحد، وأول كلمة أنزلها الله سبحانه وتعالي علي رسوله هي كلمة «إقرأ» في أول سورة العلق.

وفي القرآن الكريم عدد من الآيات التي تؤكد أهمية المعرفة وطلب العلم، وتلقي مكانة العلماء في الإسلام، بجانب الأنبياء والصديقين، عظيم الاحترام، ويوجه القرآن الكريم دعوة لكل البشر هي: «… وتعاونوا علي البر والتقوي ولا تعاونوا علي الإثم والعدوان…» (المائدة: ٢).

.. الجهاد في الإسلام

يقول د. زويل في ورقته الفكرية «حوار الحضارات»: من المفجع والمأساوي في آن واحد أن بعض المتعصبين والبعض في وسائل الإعلام يسيئون إلي الإسلام ويحرفون مبادئ الإسلام وقيمه من خلال مصطلحات وتعبيرات من قبيل الجهاد والإرهاب، فكلمة «الجهاد» علي سبيل المثال تترجم حالياً بطريقة روتينية بمعني «الحرب المقدسة» وعلي وجه الخصوص نوع الحرب المقدسة التي يمارسها المسلمون ضد غير المسلمين.

ويبتعد هذا الأسلوب كثيراً جداً عن المفهوم الصحيح للجهاد في الإسلام، فبحسب قاموس «لسان العرب» فإن كلمة الجهاد المشتقة من الفعل «جهد» تعني ببساطة بذل غاية ما في الوسع من مجهود، وهو ما يعني العمل بجد واجتهاد من أجل الإصلاح والتحسين في معركة الجهاد مع النفس من أجل الرفعة والارتقاء الذاتي والارتقاء إلي مرتبة عالية من السمو والطهارة والاستنارة.

وفي مصر علي سبيل المثال فإن كلمة «مجتهد» بالنسبة لتلميذ أو طالب علم تعني أن هذا الطالب يبذل ما في وسعه لتحصيل دروسه وإنجاز مهامه الدراسية علي أكمل وجه. وهناك نماذج أخري من الجهاد منها استخدام القوة الاقتصادية لتحسين أحوال المحتاجين والفقراء ثم الجهاد البدني ضد الظلم والجور والاضطهاد، كما يستخدم مصطلح الجهاد أيضاً للتعبير عن الحرب التي تشن لخدمة الدين وأهدافه.

الجدير بالذكر أن القرآن الكريم قد حدد الجهاد البدني في آيات محددة «وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين» (البقرة: ١٩٠) بمعني أن الحرب تكون عادلة ومبررة، حينما تكون حرباً دفاعية فقط.

وجاء في القرآن الكريم أيضاً: «وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل علي الله إنه هو السميع العليم» (الأنفال: ٦١)، فالحرب ليست من أجل قهر وسحق الخصوم، ويجب التمسك بالسلام في أقرب فرصة، ولهذا التأكيد أهمية بالغة بالنسبة للمسلمين، ذلك أن تحيتهم العادية هي «السلام عليكم» ولا يترك سلام الإسلام حيزاً للإرهاب، الذي يختلف شكلاً وموضوعاً عن الجهاد، فالإرهاب عمل مدان ومستنكر إنسانياً.

.. حضارة محبطة

من الدين إلي التاريخ يقول د. زويل: إن الغرب لا يتذكر إلا القليل عن الدور الحيوي الذي لعبته الحضارة الإسلامية، خاصة في إسبانيا، إحدي مراكزها الحضارية المهمة، في الوقت الذي كانت فيه أوروبا غارقة في عصور الظلام، وإني أشك في أن رجل الشارع في نيويورك أو لوس أنجلوس أو لندن أو باريس علي علم الآن بمدي ما كانت عليه الحضارة الإسلامية من تقدم وازدهار في العصور الوسطي، فقد أمدت هذه الحضارة العالم بمعارف جديدة في العلوم والفلسفة والآداب والقانون والطب وغيرها من فروع المعرفة، ومن أمثلة الإضافة العظيمة في نهاية الألف الميلادية الأولي، إضافات ابن سينا في الطب وإضافات ابن رشد في الفلسفة والقانون، وإضافات جابر بن حيان في الكيماء، والحسن بن الهيثم في البصريات، والخوارزمي في علم الجبر، ويعرف الخوارزمي عند الغربيين باسم «ALGORITHM» ومنها اشتقت كلمة «البرمجيات».

.. شهادة برنارد لويس
يستشهد د. زويل في هذا المقام برأي المؤرخ الأمريكي برنارد لويس الذي وصف الحضارة الإسلامية وصفاً حسناً بقوله: «لقرون عديدة ظل العالم الإسلامي في صدر الحضارة الإنسانية» وأن الإسلام قد «شيد حضارة عالمية متعددة الأعراف والأجناس، حتي إنه يمكن وصفها بالحضارة العابرة للقارات».

ويكمل د. زويل قائلاً: «إني أشك في أن الناس يتذكرون أن التسامح كان مبدأ أو سمة سائدة في الحضارة الإسلامية والتي تسمي بالحضارة الشرقية، ففي قمة ازدهار الحضارة الإسلامية، عاش المسلمون واليهود والمسيحيون معاً في سلام في إسبانيا وبقية العالم الإسلامي، أما في الغرب الأوروبي فقد قاس اليهود كثيراً بسبب التفرقة في المعاملة والتعذيب الذي لاقوه علي أيدي الأوروبيين، ولقد كانت القاهرة ذات يوم المكان الذي درس فيه الفيلسوف اليهودي الشهير موسي بن ميمون أعمال ابن سينا وقرأ أعمال أرسطو في ترجمتها العربية، إن استخدام الأحداث المعاصرة لتجاهل دور الحضارة الإسلامية، والحط من شأن الإسلام إنما هو أمر يهدد السلم العا

Part 3/5 (jump to part 1, part 2, part 3, part 4, part 5)

المصري اليوم تنفرد بنشر رؤية جديدة للدكتور أحمد زويل «من العلم إلي العالم» (٣-٥) نقد العولمة.. انكماش الأمل

كتب قراءة :احمد المسلمانى

كأن العالم قد أصيب بنوبة إغماء.. لا حياة ولا موت، لا هي شهوة الأمل ولا هي راحة اليأس.. وكأن الناس قد أعجبتهم تلك المتعة الكامنة في نصف الوعي، فلا رغبة حاسمة في أي شيء. علم يجاور الجهل، ولين يوازي التطرف.. قنابل تسكن أغصان الزيتون وصواريخ تحمل اسم الله في كل مكان!

هنا تجيء الوقفة.. ما الذي يجري في العالم؟ حوار أم صدام؟ حرب أم سلام؟ أين الدين وأين الدنيا؟ وأين المستقبل بين حشود الغافلين؟

وهنا تجيء هذه الورقة الضافية للعالم الكبير الدكتور أحمد زويل، لتنبه الناس وتزيل الالتباس، وتضع أسساً لحوار يقوض حالة الارتباك والاشتباك.

يشرح زويل في الورقة بسلاسة ودون تعقيدحقيقة الإسلام مقدماً اجابات قاطعة للكثير من الأسئلة الشائكة التي تدور في الأذهان وخاصة في الغرب.

من الإسلام إلي المسلمين يمضي الدكتور أحمد زويل في ورقته الفكرية «حوار الحضارات» يقول: لسوء الحظ، فإن بعض المشكلات التي تواجه العالم الإسلامي إنما هي من صنع المسلمين أنفسهم، فكثير من أبناء العالم الإسلامي لا يعرفون رسالة الإسلام الحقيقية، ويستخدم بعض القيادات وبعض المتعصبين الإسلام لتعزيز مكانتهم الشخصية وطموحاتهم السياسية.

بالإضافة إلي ذلك، يبتدع البعض إيديولوجيات جديدة باسم الإسلام، ويستخدمون تفسيراتهم للقرآن الكريم في المناظرات والجدل لاستنزاف الطاقات البشرية والفكرية للمجتمع.

وإنني أشك فيما إذا كان هؤلاء الأشخاص يفهمون حقاً معني التنوير ودوره الحاسم الذي لعبه في انتشار الحضارة الإسلامية ليس بين المسلمين فحسب وإنما في العالم أجمع خلال ما يقرب من ألف عام، وربما نسي هؤلاء الناس أن القرآن الكريم قد أكد مسؤولية أفراد المجتمع الإنساني في العمل علي تطوير وتحسين أنفسهم ومجتمعاتهم كما جاء في سورة الرعد «.. إن الله لا يغير ما بقوم حتي يغيروا ما بأنفسهم..» (الرعد: ١١).

واليوم يعاني العالم الإسلامي من أوضاع ومشاكل داخلية، بالإضافة إلي أوضاع ومشاكل سياسية واقتصادية عالمية، وبدافع من ماضيهم المجيد يتساءل المسلمون عن علة هذا الإخفاق، وكما تشهد مآثره الماضية، فإن الإسلام في صورته الأصلية ليس مصدراً للتخلف والعنف.. ولكن لا يمكن للمرء أن يتجاهل التأثير السلبي للاستعمار والاحتلال الحديث بواسطة القوي الغربية، وخيبة الأمل في الانحياز للكتلة الشرقية أو الكتلة الغربية «الشيوعية ضد الرأسمالية» والذي فشل في أن يثمر ازدهاراً ورخاءً اقتصادياً، كما لا يمكن للمرء أن يتغاضي عن المشاكل الداخلية والتي تنشأ في الغالب من نظم وأساليب الحكمة غير الديمقراطية والمدعومة في أغلب الأحيان من الحكومات الغربية، علاوة علي ذلك، فإن المسلمين يرون من خلال وسائل الإعلام العالمية سيطرة وازدهار الغرب والإذلال في فلسطين والبوسنة والشيشان، بالإضافة إلي أوضاعها الاقتصادية غير الملائمة بالمقارنة مع بقية أرجاء العالم.

.. نظرية المؤامرة

ينتقد د. زويل نظرية المؤامرة كأساس لتفسير الواقع الصعب الذي يواجهه العالم الإسلامي بقوله: «إنني لا أتفق مع مقولات نظرية المؤامرة، والتي تنهض علي أن هناك مؤامرة من الغرب ضد الشرق، ولا أعتقد أن كل المشاكل التي يعاني منها العالم الإسلامي هي فعل الغرب، وإن كنت أعتقد ـ تمام الاعتقاد ـ بضرورة أن يساعد الغرب الشرق بدرجة أكبر».

ويستطرد د. زويل: «لقد ساعدت الحضارة الإسلامية الحضارة الغربية في الماضي، ومن ثم فمن الواجب والإنصاف أيضا أن ترد الحضارة الغربية الجميل بالمثل الآن. إن نمو الشعور بالسخط والإحباط لدي عالم الذين لا يملكون والذين يزيد عددهم علي المليار نسمة سيضع العالم في مواجهة صراع مفتوح وسوف تأتي هذه الاضطرابات من مناطق خارج العالم الإسلامي».

.. فقراء بلا حدود

يصف د. زويل في ورقته «حوار الحضارات» توزيع الثروة في العالم بأنه توزيع منحاز، وأن التمايز الطبقي فيما بين الناس والمجتمعات والأقاليم أضحي صارخا، ويشير د. زويل إلي عدد من الإحصائيات المخيفة بشأن الغني والفقر في العالم اليوم. ففي العالم المتقدم ينعم بمباهج الحياة ٢٠% فقط من سكان العالم، ويعيش ٨.٤ مليار نسمة في العالم النامي، حيث يعيش ٣ مليارات نسمة علي أقل من دولارين للفرد في اليوم، ويعيش ٢.١ مليار نسمة علي أقل من دولار واحد في اليوم، وهناك ٥.١ مليار نسمة لا تتوافر لهم مياه نقية كافية، مما يعرضهم لمخاطر الإصابة بالأمراض المنقولة مائيا، ويوجد نحو ٢ مليار نسمة لا يزالون في انتظار الاستفادة من مزايا الثورة الصناعية.

وبينما يبلغ إجمالي نصيب الفرد من الناتج القومي الإجمالي في بعض بلدان العالم المتقدم نحو ٣٥ ألف دولار سنويا لايزيد نصيب الفرد في العالم النامي علي ألف دولار، ويقل هذا الرقم كثيرا في الدول المتخلفة.

ويصل د. زويل إلي أن تفاوت مستويات المعيشة بمعامل يصل إلي المائة يولد في النهاية استياء وعنفا وصراعا عنصريا وعرقيا. «وهناك بالفعل شواهد علي هذا الاستياء، ويكفي أن نلقي نظرة علي المناطق الحدودية بين الدول المتقدمة والدول النامية أو المتخلفة ـ كما هو الحال في أمريكا وأوروبا ـ أو حتي بين الفقراء والأغنياء داخل دولة من الدول».

.. العولمة

يقول د. زويل: «هناك من يعتقد بإمكانية الوصول إلي نظام عالمي جديد من خلال العولمة لحل المشاكل التي تعاني منها البشرية، مثل الانفجار السكاني والهوة الاقتصادية والخلل الاجتماعي، وهذا استنتاج مشكوك في أمره، والعولمة من حيث المبدأ مفهوم مفعم بالأمل، والتي من خلالها قد تحقق كل الدول تقدما وازدهارا من خلال المشاركة في السوق العالمية.

ولسوء الحظ، فإن العولمة في صورتها الحالية قد فصّلت لخدمة مصالح وأهداف القادرين والأقوياء، وبرغم أهميتها بالنسبة للتنافس الخلاق بين الأمم ومن ثم تقدمها وازدهارها، فإنها تخدم تلك الشريحة من العائلة البشرية القادرة علي استثمار السوق العالمية والموارد المتاحة، بالإضافة إلي ذلك، فإنه لزاما علي الأمم أن تهيئ نفسها لدخول بوابة العولمة، ويتطلب ذلك تخطي عقبات اقتصادية وسياسية».

..عوائق التقدم

يذكر د. زويل ما يصفها بأنها ضرورات رئيسية لإحراز التقدم والتي يجب علي الدول النامية والدول المتقدمة أن تضعها في الاعتبار.

يضع د. زويل ثلاثة أهداف كبري أمام الدول النامية:

١ـ تنمية الموارد البشرية القومية، ويتطلب هذا الهدف ضرورة القضاء علي الأمية وإصلاح التعليم.

٢ـ إعادة بناء الدستور الوطني: بما يسمح بحرية الفكر والإبداع والحد من البيروقراطية وتخفيضها إلي الحد الأدني، وتطوير نظام لتقدير الإنجازات حق قدرها، وتقديم الدعمين المادي والمعنوي لأصحابها، ثم تطوير قوانين جديرة بالثقة والاحترام يمكن تطبيقها علي الجميع.

٣ـ بناء القاعدة العلمية: وهذا الهدف بالغ الأهمية بالنسبة للتطور والشراكة العالمية، ومع وجود قاعدة علمية قوية ونظام تعليم متطور وبحوث متقدمة، فإنه بالإمكان الارتقاء بالثقافة العلمية وتشجيع وتعزيز التفكير العقلاني وتعليم العامة وتثقيفهم.

وإذا كانت فوائد العلم والتكنولوجيا للمجتمع واضحة جلية فإن تعليما علميا مناسبا سوف يشيع في المجتمع ثقافة التفكير العقلاني والأسلوب المنهجي في العمل، فإن غاب كل ذلك امتلأت فجوة كبيرة في التفكير التحليلي بالجهل وحتي بالعنف والتشدد.

وإذا كان العلم هو العمود الفقري للتقدم، فإن المعرفة بدورها تصون وتحفظ واحدة من أعظم وأثمن القيم الإنسانية وهي الاستنارة.

والاعتقاد بأن القاعدة العلمية هي من شأن الدول التي تقدمت بالفعل ـ ولأجلها فقط ـ هو اعتقاد خاطئ ومعوق ويشكل عقبة كبري أمام دول العالم الذين لا يملكون.

إن النجاح الحالي في السوق العالمية لبعض الدول النامية مثل الصين والهند هو نتيجة لتطويرها أنظمة تعليمية ومهارات تكنولوجية في قطاعات معينة، فالهند أصبحت إحدي الدول الرائدة في البرمجيات، كما أن المنتجات العديدة التي تحمل علامة «صنع في الصين» انتشرت الآن في كل أنحاء الدنيا.

ينتهي د. زويل في هذا المقام إلي نقد مقولات احتكار الغرب للمعرفة وأن العالم المتقدم يحد من تدفق العلم وانتشاره، ويقول: إنني لا أعطي وزنا مهما لنظرية المؤامرة، وأفضل الاعتقاد بأن الأمم تتفاعل وتتعاون فيما بينها من أجل مصالحها المتبادلة.

Part 4/5 (jump to part 1, part 2, part 3, part 4, part 5)

المصرى اليوم تنفرد بنشر رؤية جديدة للدكتور أحمد زويل «من العلم إلي العالم» (٤-٥) مشروع مارشال في فلسطين

كتب قراءة: أحمد المسلماني

كأن العالم قد أصيب بنوبة إغماء.. لا حياة ولا موت، لا هي شهوة الأمل ولا هي راحة اليأس.. وكأن الناس قد أعجبتهم تلك المتعة الكامنة في نصف الوعي، فلا رغبة حاسمة في أي شيء. علم يجاور الجهل، ولين يوازي التطرف.. قنابل تسكن أغصان الزيتون وصواريخ تحمل اسم الله في كل مكان!

هنا تجيء الوقفة.. ما الذي يجري في العالم؟ حوار أم صدام؟ حرب أم سلام؟ أين الدين وأين الدنيا؟ وأين المستقبل بين حشود الغافلين؟

وهنا تجيء هذه الورقة الضافية للعالم الكبير الدكتور أحمد زويل، لتنبه الناس وتزيل الالتباس، وتضع أسساً لحوار يقوض حالة الارتباك والاشتباك.

يشرح زويل في الورقة بسلاسة ودون تعقيدحقيقة الإسلام مقدماً اجابات قاطعة للكثير من الأسئلة الشائكة التي تدور في الأذهان وخاصة في الغرب.

يناقش د.أحمد زويل في هذا الجزء من ورقته الفكرية «حوار الحضارات» جوانب من الاقتصاد السياسي للعلاقات الدولية، وكنا قد عرضنا في حلقة أمس المسؤوليات الواقعة علي عاتق دول العالم النامي من القاعدة العلمية إلي البناء الدستوري إلي الموارد البشرية. يقول د.زويل في شأن مسؤوليات الدول المتقدمة.. إن عليها تعديل برامج المعونة والتقليل من الدوافع السياسية في برامجها.

يشرح د.زويل وجهة نظره بشأن قضية المعونات، يقول: «إن أموال المعونة المقدمة من الدول المتقدمة إلي الدول النامية تتوزع علي العديد من المشروعات، وعلي الرغم من أن بعض هذه المشروعات تكون ضرورية ومطلوبة علي نحو ملح، فإن كثرة المشروعات التي تتضمنها المعونة والافتقار إلي المتابعة الجادة، بالإضافة إلي وجود بعض الفساد في إدارة هذه المشروعات، كل ذلك يتسبب في عدم تحقيق نجاحات كبيرة وملموسة، ومن ثم فإن الأمر في حاجة إلي تعديل في برامج المعونة حتي يتسني مساعدة مراكز التفوق لتحقيق رسالتها وفقاً للمعايير الراسخة المعمول بها الآن في الدول المتقدمة».

وفي شأن ضرورة التقليل من الدوافع السياسية في برامج المعونة يقول د.زويل: «إن استخدام برامج المعونة لدعم ومساعدة نظم سياسية أو حكومات أو مجموعات معينة في العالم النامي يمثل خطأ فادحاً، وقد بينت التجارب السابقة أنه من الأفضل والأكثر نفعاً أن تساعد الدول المتقدمة شعوب الدول النامية، ويجب أن تكون برامج المعونة بعيدة الرؤية في تحديد المشاكل الحقيقية للدول النامية التي تقدم لها المعونة، وأن تتخذ الإجراءات الكفيلة لاستثمار طويل الأجل لضمان تنمية حقيقية».

ويجمل د.زويل رؤيته بالقول: «هناك طريقتان لمساعدة الدول النامية، إما أن تقدم الدول المتقدمة الأموال للدول النامية لمساندة ودعم بقاء الاستقرار الاقتصادي والسياسي في هذه الدول، أو أن تصبح الدول المتقدمة شريكة للدول النامية وتوفر لها الخبرة المطلوبة وخطة المتابعة، وعندئذ سوف يكون لهذه المشاركة الجادة دور فعال في إحراز النجاح في العديد من المجالات التي تهم الدول النامية. وأعتقد أنه يمكن إحراز نجاح حقيقي إذا ما توافرت الرغبة الصادقة في المشاركة والتي سوف تعود بالخير علي كل الشركاء».

* فوائد عالمية

يسأل د.زويل: ما هي الفائدة التي سوف تعود علي الدول الغنية من جراء مساعدتها الدول الفقيرة؟ ويجيب: «علي المستوي الشخصي هناك مبررات دينية وفلسفية تحض الغني علي أن يقدم جزءاً من ماله إلي الفقير، فالفضيلة والمبادئ ووقاية الذات، أو الدفاع عن النفس كل ذلك يحض علي مساعدة الإنسان لأخيه الإنسان.

وبالنسبة للدول فإن العون المتبادل يوفر - بجانب قيمته الأخلاقية والإنسانية- الضمان لتعايش سلمي، بالإضافة إلي التعاون من أجل الحفاظ علي الأرض ووقايتها، وإذا ما سلمنا بأن العالم أصبح الآن بمثابة قرية وبخاصة في عصر تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، فإنه من الواجب أن نوفر الأمان الاجتماعي لغير القادرين في هذه القرية، وإلا نكون قد شجعنا علي اندلاع ثورة».

* حياة سليمة

يخلص د.زويل في هذا التحليل إلي القول بأن «حياة إنسانية سليمة ومستديمة تتطلب بالضرورة تعاوناً ومشاركة من جميع أعضاء العائلة البشرية، فاستنفاد الأوزون علي سبيل المثال يعد مشكلة ليس بمقدور العالم المتقدم التصدي لها وعلاجها بمفرده، فليس الذين يملكون هم وحدهم الذين يستخدمون المواد الكيميائية التي ينتج عنها الكلورفلوروكربون CFC.

إن انتقال الأمراض، واستنزاف الموارد الطبيعية وظاهرة الاحتباس الحراري هي ظواهر عالمية، ويتحتم علي الذين يملكون والذين لا يملكون أن يبحثوا لها عن حلول، وأن يتدارسوا عواقبها، وأخيراً هناك الاقتصاد العالمي النامي، وتشكل أسواق وموارد الدول النامية مصدراً للثروة والغني للدول المتقدمة، ومن ثم فمن الحكمة أن تكون هناك علاقات تعاون متبادلة ومتناغمة لأجل نمو اقتصادي متبادل».

* مشروع مارشال

يدلل د.زويل بمشروع مارشال كمثال قوي لما يري، يقول: «من الأمثلة بعيدة الرؤية في ذلك «مشروع مارشال» الذي قدمته الولايات المتحدة إلي أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، واستدراكاً للخطأ الذي وقع في أوروبا بعد الحرب العالمية الأولي فقد قررت الولايات المتحدة في سنة ١٩٤٧ أن تساعد في إعمار البنية الأساسية التي دمرتها الحرب، وأن تكون شريكة في تطوير اقتصاد أوروبا.

واليوم فإن دول أوروبا الغربية هي دول ثابتة ومستمرة في تحقيق الرخاء الاقتصادي كما هو الحال للشريك -الولايات المتحدة، وقد أنفقت الولايات المتحدة نحو ٢% من إجمالي ناتجها القومي علي مشروع مارشال خلال الفترة من ٤٨-١٩٥١.

إن مشروع مارشال بسخائه ورعايته الفائقة أدي إلي قصة نجاح عظيمة، وإني أتصور إمكانية تنفيذ مثل هذا المشروع من جديد في فلسطين لبناء شرق أوسط مسالم ومزدهر، ولأجل أفريقيا وأمريكا اللاتينية أيضاً.

أما أكثر ما يكون نفعاً للعالم المتقدم من جراء مساعداته للدول النامية لتصبح في مستوي عال من التقدم، أن تصبح جزءاً من النظام العالمي الجديد والسوق العالمية، ولقدأدركت بعض الدول المتقدمة أهمية المشاركة وخاصة مع دول الجوار.

وهناك محاولات تبذل مع هذه الدول لإيجاد طرق جديدة لدعم وتبادل الخبرات كما هو بين الولايات المتحدة والمكسيك، ودول غرب أوروبا وشرقها.

الجدير بالذكر أن نمو وتقدم الاقتصاد الإسباني هو ثمرة للمشاركة بين دول أوروبا الغربية، وللأسباب نفسها فإنه من الأفضل والمهم للدول النامية أن تحدد وبجدية المسائل المتعلقة بالتقدم، ليس من خلال الشعارات، ولكن بالرعاية والتعهد وحسن استغلال الموارد لإحراز تقدم حقيقي لتتبوأ مكانة لائقة علي خريطة العالم المتقدم».

* بناء الجسور

يناقش د.زويل في هذا الجزء من ورقة «حوار الحضارات» فكرة الحوار بديلاً عن الصدام وبناء الجسور بديلاً عن هدمها، يقول: «إن بناء جسور التواصل بين الثقافات والأمم ليس بالأمر الهين، غير أن أحوال العالم الحديث لا تسمح لأية ثقافة أو أمة من الأمم أن تظل بمعزل عن الآخرين، وفي هذا القرن فإننا محظوظون في امتلاكنا وسائل بناء هذه الجسور وقابلية التحرك لتعلم الثقافات الأخري والاتصال مع الآخرين من بني جنسنا، والذي من شأنه أن يعزز مبدأ التسامح وقبول الآخر من أصحاب الثقافات والديانات الأخري.

ولعل تجربتي الشخصية مثال مناسب يؤيد ذلك، فأنا مزدوج الثقافة، وبحلول عيد ميلادي الخمسين، كنت قد أمضيت أو قضيت فترات متساوية تقريباً من عمري في مصر والولايات المتحدة، أي في أحضان ثقافة الشرق وثقافة الغرب.

إنني أعتبر نفسي محظوظاً لكوني ثرياً في هاتين الثقافتين أو بهما، دون أي تعارض في أن أتلقي تعليمي في واحدة من هاتين الثقافتين وأشارك وأضيف إلي المعارف الإنسانية في الثقافة الأخري، وأن أغرس وأرعي التقاليد الشرقية في المجتمع الغربي، وأساعد وأسهل عملية التفاعل والتحاور بين الشرق والغرب.

هذه الأمور ليست جديدة في التاريخ أو عليه، وعلينا أن نتصور أن مثل ذلك الشيء قد حدث بالفعل عندما كانت مكتبة الإسكندرية، التي تلقيت فيها تعليمي الجامعي، منارة العلم والمعرفة بمكتبتها الشهيرة منذ أكثر من ألفين من السنين مضت والتي جلبت الغرب إلي الشرق.

والعلم هو ثقافة عالمية، وفي صورته العظيمة فإن هذه العالمية توحد العلماء في بحثهم عن الحقيقة مهما كانت أصولهم وأعراقهم أو خلفياتهم الاجتماعية والثقافية، وحينما أتأمل أو ألتفت بأفكاري إلي أصل «علم الزمن والمادة» والذي يشكل موضوعاً رئيسياً في أبحاثنا في جامعة كالتك، فإني أجد حواراً حقيقياً، فالحضارة المصرية، والتي جئت منها وأنتمي إليها، كانت أول من أدخل التقويم الفلكي في نحو عام ٤٢٤٠ قبل الميلاد، وقدر المصريون القدماء بدقة عدد أيام السنة، وفي عام ١٥٠٠ قبل الميلاد قسموا اليوم إلي ساعات، وقد توصلوا إلي تلك الإنجازات من خلال رصدهم لنجم الشعري اليمانية، أشد نجوم السماء لمعاناً، وأدخلوا تكنولوجيا صناعة الساعة الشمسية».

يستطرد د.زويل في إشكالية التبادل بين الحضارات يقول: «لقد أعطت الحضارة الأمريكية الغربية، والتي أعيش فيها، العالم الحالي الفيمتوثانية (الحل القائم علي مفهوم الفيمتوثانية)، والفيمتوثانية هي جزء من مليون من بليون جزء من الثانية، وهي السرعة المتطلبة لرصد الذرات وهي في حالة حركة، ويرجع مفهوم الذرة، والتي ظلت غير مرئية لعهد قريب، إلي الفيلسوف اليوناني ديمقريط منذ نحو ٢٥ قرناً من الزمان.

فما أروع تلك الحضارات المتباينة في ثقافتها وأزمانها، والتي أعطت من خلال العلم، منافع جمة لجميع الجنس البشري، إنها التقاليد العقلانية في حالة العلم هذه، والتي يسرت بناء الجسور طوال آلاف السنين».

Part 5/5 (jump to part 1, part 2, part 3, part 4, part 5)

المصرى اليوم تنفرد بنشر رؤية جديدة للدكتور أحمد زويل «من العلم إلي العالم» (٥-٥) هل ثمة وظيفة حضارية للولايات المتحدة الأمريكية؟

كتب قراءة: أحمد المسلماني

كأن العالم قد أصيب بنوبة إغماء.. لا حياة ولا موت، لا هي شهوة الأمل ولا هي راحة اليأس.. وكأن الناس قد أعجبتهم تلك المتعة الكامنة في نصف الوعي، فلا رغبة حاسمة في أي شيء. علم يجاور الجهل، ولين يوازي التطرف.. قنابل تسكن أغصان الزيتون وصواريخ تحمل اسم الله في كل مكان!

هنا تجيء الوقفة.. ما الذي يجري في العالم؟ حوار أم صدام؟ حرب أم سلام؟ أين الدين وأين الدنيا؟ وأين المستقبل بين حشود الغافلين؟
وهنا تجيء هذه الورقة الضافية للعالم الكبير الدكتور أحمد زويل، لتنبه الناس وتزيل الالتباس، وتضع أسساً لحوار يقوض حالة الارتباك والاشتباك.

يشرح زويل في الورقة بسلاسة ودون تعقيدحقيقة الإسلام مقدماً اجابات قاطعة للكثير من الأسئلة الشائكة التي تدور في الأذهان وخاصة في الغرب.

كان الدكتور أحمد زويل عائداً من المكسيك حين سألته عن هذه الورقة، عما دعاه للكتابة عن صدام الحضارات ونهاية التاريخ، قلت له: إنني أعرف جيداً معني الزمن لديه، أعلم أن لجزء الثانية في جدول أعمالك وزناً ومقداراً، وأعلم أيضاً أنك قد خطوت بعيداً في مشروعك العلمي الجديد، وهو المشروع الذي توقع له الأستاذ نجيب محفوظ أن يكون طريقاً لك نحو جائزة نوبل ثانية، وأعلم ثالثاً أنك في مشروعك الجديد والخاص بعلم الخلايا وبيولوجيا المرض قد حصلت علي جوائز وبراءات اختراع وأنك في انتظار كشف جديد.

* سألت د. زويل الذي حصل مؤخراً علي جائزة أينشتاين، وتبدأ العام القادم جائزة أحمد زويل العالمية في دورة العطاء.. سألته: لماذا حور الحضارات؟ ولماذا الآن؟! قال: إنني منظم في إدارة حياتي وأوقاتي إلي الحد الذي يجعل للمعرفة من خارج العلم عندي مكاناً وزماناً فأنا أتابع ما يجري في العالم باستمرار، ثم إنني ألتقي بعلمائه وأدبائه وساسته بانتظام، وفي جدول أعمالي العديد من العواصم في قارات العالم.
لقد سألني الكثيرون في هذ الأمكنة عن تصوري للعالم الآن، والعالم غداً.. وبعضهم سألني عن الإسلام راغباً في المعرفة وبعضهم سأل عازفاً عن المعرفة.. وقد أجبت في محطات ومحاضرات عما تيسر من ذلك.

* ولأنني أؤمن بأن العلم إنما يعمل من أجل العالم، فإنني أخشي أن تترك شؤون السياسة والعلاقات الدولية بين أيدي الذين لا يعلمون فيأفل العلم وينطفئ العالم.
لذا وجدت لزاماً علي، وقد فعلها قبلي علماء آخرون، أن أقوم بدور أخلاقي تجاه الإنسانية التي قد يتحالف عليها جملة الفاسدين والجاهلين والمتلاعبين بالعقول. سوف تبطل السياسة عمل العلم إذا ما نسي الناس أنهم أمة جينية واحدة، وسوف يعمل الكثيرون عكس ما يتطلب الخلق السليم والمعرفة الحقة، سيعملون من أجل الاحتلال وتكريس الفقر والمرض وتقويض فرص الحياة الكريمة لمليارات البشر

. هنا جاءت فكرتي في إلقاء محاضرة حول ما أشاعه فوكوياما وهينتجتون من انتصار للغرب ضد العالم وصدام بين الغرب وبين العالم.
إنني كمسلم وعربي ومصري، وكعالم يعمل في كبري الجامعات الأمريكية أجدني ملزماً بطرح ما أراه صواباً في مجابهة من يدفعون العالم نحو الأسوأ.

* * قلت للدكتور زويل: لقد استأذنت المهندس إبراهيم المعلم في نشر هذه الورقة قبل أن تنشرها دار الشروق، متمنياً أن تكون زيارتك القريبة إلي القاهرة فرصة للمزيد من الإضاءة والحوار.

أمريكا الآن
يناقش د. أحمد زويل في الجزء الأخير من ورقة حوار الحضارات «دور الولايات المتحدة فيما يجري ومستقبل العالم علي ضوء الدور» يقول: «إن تعقد الشؤون الدولية هو شيء حقيقي، وليس بمقدور أحد أن يدعي وجود حلول واضحة لكل المشاكل العالمية، وسواء بسبب ماضيهم المجيد أو وضعهم الجغرافي وثرائهم الثقافي المعاصر فإن لكل الدول دوراً مهماً في المساعدة في حل المشاكل العالمية، وبصفتها القوة العظمي الوحيدة في عالم اليوم، فإن للولايات المتحدة دوراً خاصاً بسبب قوتها الاقتصادية والعلمية والعسكرية، إلا أن كل الدول مجتمعة عليها مسؤوليات تجاه التعايش السلمي ولأجله، في هذا العالم.

ويحتم الواجب علي الدولة الأقوي علي سطح الأرض أن تلعب دوراً قيادياً في مقاومة العنف وذلك بالتعاون مع المجتمع الدولي بأسره، وإلا تفقد رؤيتها تجاه دورها القيادي في العمل من أجل صيانة حقوق الإنسان، وفي تضييق الهوة الفاصلة بين الأغنياء والفقراء، بين الذين يملكون والذين لا يملكون وعلي الولايات المتحدة المسؤولية الريادية، ولديها الفرصة لتجعل الكرة الأرضية عالماً متحداً

وأن تجعل الناس في كل أنحاء الدنيا يتعاملون مع بعضهم البعض كأعضاء في العائلة البشرية، وإني أتذكر بحماسة وانتعاش الصورة الأمريكية في الستينيات من القرن الماضي، إنه الإنسان الذاهب إلي القمر من أجل خير ورفعة الإنسانية جمعاء، وأذكر ما قاله نيل أرمسترونج في أولي كلماته التي نطق بها في لحظة هبوطه علي سطح القمر «إنها خطوة صغيرة لإنسان ولكنها قفزة هائلة للجنس البشري». ومشروع مارشال وكتيبة السلام يعدان نموذجين للمبادرات المثالية الخلاقة والتي مثلت الرؤية الأمريكية في أعمالها العظيمة لصالح البشرية».

حدود القوة
يستكمل د. زويل رؤيته لدور الولايات المتحدة يقول: «في حقيقة الأمر فإنه ليس بمقدور الولايات المتحدة أن تحل كل مشكلة في العالم، غير أنه بوصفها أقوي دولة في العالم يجب أن تؤدي دورها كقائد ونموذج وأن تتحمل مسؤولياتها، وكثير من الناس في أنحاء العالم يحترمون مبادئ دستور الولايات المتحدة ويرغبون في أن يتمتعوا بنفس القدر من الحرية والفرص المعهودة في النظام الأمريكي، ويمكن أن تصبح أمريكا شريكاً حقيقياً وتساعد في حل الكثير من المشاكل حول العالم، وقد عبر زيجنيو بريجنسكي عن حقيقة الوضع الأمريكي بقوله «تقف أمريكا وسط عالم متشابك استغلت فيه القوة» في مساومات وحوارات مستمرة وفي البحث عن إجماع عالمي، برغم أن تلك القوة تنبع أساساً من مصدر واحد هو واشنطن».

وإذا ما كان التاريخ هو بمثابة سلسلة من العمليات التطورية المترابطة، فإن الديمقراطية الليبرالية، حسب زعم فرانسيس فوكوياما، قد تشكل نقطة النهاية في التطور الأيديولوجي للجنس البشري، والصورة النهائية لنظام الحكم، ومن ثم «نهاية التاريخ» ويدعم هذا الزعم نجاح النظام الاقتصادي (السوق الحرة) والانتشار الناجح لهذا النظام (الديمقراطي) علي حساب الأيديولوجيات المنافسة مثل الملكية الوراثية والفاشية والشيوعية،

وهذا رأي مثير للمناقشة والجدل، لأن كثيراً من الناس يعتقدون أن نموذج الديمقراطية الغربية ليس هو النموذج القابل للتطبيق في بقية أنحاء العالم، فقد تكون هناك صور ونماذج أخري (بما فيها النماذج التوافقية أي التي يمكن تأليفها من عدة نماذج) من أنظمة الحكم الديمقراطي التي تلائم الثقافات المختلفة،

ومع ذلك، وأياً كانت طبيعة نظام الحكم، فإني أعتقد أن الحرية والقيم الإنسانية، والتي تعد مبادئ أساسية في الديمقراطية، هي شيء أساسي لقفزات من التقدم وللاستخدام الأفضل للموارد البشرية، ويجب أن تصدر هذه المبادئ لدول عالم الذين لا يملكون، ولكن مع تفهم الفوارق الثقافية والدينية ومن غير سيطرة أو إكراه.

خاتمة
نصل إلي السطور الأخيرة في ورقة د.زويل والتي يجمل فيها انتصاره للحوار علي الصدام، ولآفاق المستقبل علي ضيق الأيديولوجيا، يقول: «في النهاية فإنه بقوة الإيمان والمعرفة، فإننا سوف نكشف عن الجوهر الحقيقي لوعينا المتفرد كآدميين، وأهمية وحدتنا الوراثية (الجينية) برغم تعدد السلالات والثقافات أو الديانات، ثم حاجتنا لتقدير القيم الإنسانية المترابطة حق قدرها، وغني عن البيان أن الجهل هو أكبر أعداء الطموح الإنساني، سواء ظهر هذا الجهل في مفاهيم وآراء خاطئة ومشوهة عن الدين، أو آراء مشوهة عن شعوب وأناس آخرين، أو الفشل في إدراك أهمية المعارف الجديدة والتكنولوجيا الجديدة واستخداماتها، أو سوء فهم فيما يتعلق بالصحة والأمراض، فالجهل مصدر البؤس والشقاء لكل الناس دون جدال.

نحن في هذا العالم في حاجة لإقامة الجسور بين البشر وبين الثقافات، وبين الأمم، وحتي وإن لم نتفق في بعض القضايا، فإن هذه الجسور سوف تساعدنا علي الإدراك والتسليم بأننا جميعاً نعيش في كوكب واحد، وإن لنا جميعاً أهدافاً واهتمامات مشتركة من أجل التعايش السلمي، ومفتاح الحل هو في عدم تجاهل الذين لا يملكون، وأيضاً في عدم تجاهل المناطق المحبطة والمثقلة بالمشاكل، فالفقر والإحباط أو فقدان الأمل هما مصدران للإرهاب والتمزق في النظام العالمي.

وبناء الجسور والاتصالات علي نحو أفضل، سوف يقلل من انقسام العالم إلي «نحن» و«الآخرين». ينبغي ألا ندع الحواجز تتكون من خلال شعارات من مثل «صدام الحضارات» أو «صراع الأديان»، فالمستقبل يكون في الحوار وليس في الصراعات أو الصدامات. نحن في أمس الحاجة لقادة مستنيري الرؤي يصنعون التاريخ وليس قادة يكون تصورهم أو رؤيتهم نهاية التاريخ».

Comments »

RSS feed for comments on this post.

No comments yet.

Leave a comment



Anti-spam measure: please retype the above text into the box provided.